عربي
Sunday 22nd of October 2017
code: 89410
من علي إلى معاوية بن صخر

لما قدم شرحبيل على معاوية تلقاه الناس فأعظموه ، ودخل على معاوية فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا شرحبيل ، إن جرير بن عبد الله يدعونا إلى بيعة علي ، وعلى خير الناس لولا أنه قتل عثمان بن عفان ، و [ قد ] حبست نفسي عليك ، وإنما أنا رجل من أهل الشام ، أرضى ما رضوا ، وأكره ما كرهوا.
فقال شرحبيل : أخرج فانظر. فخرج فلقيه هؤلاء النفر الموطؤون له ، فكلهم يخبره بأن عليا قتل عثمان بن عفان. فخرج مغضبا إلى معاوية فقال : يا معاوية ، أبى الناس إلا أن عليا قتل عثمان ، ووالله لئن بايعت له لنخرجنك من الشام أو لنقتلنك. قال معاوية : ما كنت لأخالف عليكم ، وما أنا إلا رجل من أهل الشام. قال : فرد هذا الرجل إلى صاحبه إذا. قال : فعرف معاوية أن شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق ، وأن الشام كله مع شرحبيل.
فخرج شرحبيل فأتى حصين بن نمير فقال : ابعث إلى جرير [ فليأتنا ]. فبعث إليه حصين : أن زرنا ، فإن عندنا شرحبيل بن السمط. فاجتمعا عنده ، فتكلم شرحبيل فقال : يا جرير ، أتيتنا بأمر ملفف لنلقينا في لهوات الأسد ، وأردت أن تخلط الشام بالعراق ، وأطرأت عليا وهو قاتل عثمان ، والله سائلك عما قلت يوم القيامة. فأقبل عليه جرير فقال : يا شرحبيل ، أما قولك إني جئت بأمر ملفف فكيف يكون أمرا ملففا وقد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار ، وقوتل على رده طلحة والزبير. وأما قولك إني ألقيتك في لهوات الأسد ففي لهواتها ألقيت نفسك. وأما خلط العراق بالشام فخلطهما على حق خير من فرقتهما على باطل. وأما قولك إن عليا قتل عثمان فوالله ما في يديك من ذلك إلا القذف بالغيب من مكان بعيد ، ولكنك ملت إلي الدنيا ، وشئ كان في نفسك على زمن سعد بن أبي وقاص.
فبلغ معاوية قول الرجلين ، فبعث إلى جرير فزجره ولم يدر ما أجابه أهل الشام ، وكتب جرير إلى شرحبيل :
شرحبيل يا ابن السمط لا تتبع الهوى / فما لك في الدنيا من الدين من بدل
وقل لابن حرب مالك اليوم حرمة / تروم بها ما رمت ، فاقطع له الأمل
شرحبيل إن الحق قد جد جده / وإنك مأمون الأديم من النغل
فأرود ولا تفرط بشئ نخافه / عليك ، ولا تعجل فلا خير في العجل
ولا تك كالمجرى إلى شر غاية / فقد خرق السربال واستنوق الجمل
وقال ابن هند في علي عضيهة / ولله في صدر ابن أبي طالب أجل
وما لعلي في ابن عفان سقطة / بأمر ، ولا جلب عليه ، ولا قتل
وما كان إلا لازما قعر بيته / إلى أن أتى عثمان في بيته الأجل
فمن قال قولا غير هذا فحسبه / من الزور والبهتان قول الذي احتمل
وصي رسول الله من دون أهله / وفارسه الأولى به يضرب المثل
فلما قرأ شرحبيل الكتاب ذعر وفكر ، وقال : هذه نصيحة لي في ديني ودنياي. [ و ] لا والله لا أعجل في هذا الأمر بشئ وفي نفسي منه حاجة. فاستتر له القوم ، ولفف له معاوية الرجال يدخلون إليه ويخرجون ، ويعظمون عنده قتل عثمان ويرمون به عليا ، ويقيمون الشهادة الباطلة والكتب المختلفة ، حتى أعادوا رأيه وشحذوا عزمه ، وبلغ ذلك قومه فبعث ابن أخت له من بارق ـ وكان يرأى رأي علي بن أبي طالب فبايعه بعد ، وكان ممن لحق من أهل الشام ، وكان ناسكا ـ فقال :
لعمر أبي الأشقى ابن هند لقد رمى / شرحبيل بالسهم الذي هو قاتله
ولفف قوما يسحبون ذيولهم / جميعا وأولى الناس بالذنب فاعله
فألفى يمانيا ضعيفا نخاعه / إلى كل ما يهوون تحدي رواحله
فطاطا لها لما رموه بثقلها / ولا يرزق التقوى من الله خاذله
ليأكل دنيا لابن هند بدينه / ألا وابن هند قبل ذلك آكله
وقالوا علي في ابن عفان ، خدعة / ودبت إليه بالشنان غوائله
ولا والذي أرسى ثبيرا مكانه / لقد كف عنه كفه ووسائله
وما كان إلا من صحاب محمد / وكلهم تغلي عليه مراجله
فلما بلغ شرحبيل هذا القول قال : هذا بعيث الشيطان ، الآن امتحن الله قلبي. والله لأسيرن صاحب هذا الشعر أو ليفوتنني. فهرب الفتى إلى الكوفة وكان ـ أصله منها ـ وكاد أهل الشام أن يرتابوا.
نصر : محمد بن عبيد الله ، وعمر بن سعد بإسناده قال : وبعث معاوية إلى شرحبيل بن السمط فقال : « إنه كان من إجابتك الحق ، وما وقع فيه أجرك على الله وقبله عنك صلحاء الناس ، ما علمت ، وإن هذا الأمر الذي قد عرفته لا يتم إلا برضا العامة ، فسر في مدائن الشام ، وناد فيهم بأن عليا قتل عثمان ، وأنه يجب على المسلمين أن يطلبوا بدمه ». فسار فبدأ بأهل حمص فقام خطيبا ، وكان مأمونا في أهل الشام ناسكا متألها ، فقال : « يا أيها الناس ، إن عليا قتل عثمان بن عفان ، وقد غضب له قوم فقتلهم ، وهزم الجميع وغلب على الأرض فلم يبق إلا الشام. وهو واضع سيفه على عاتقه ثم خائض به غمار الموت حتى يأتيكم أو يحدث الله أمرا ، ولا نجد أحدا أقوى على قتاله من معاوية ، فجدوا [ وانهضوا ] ». فأجابه الناس إلا نساك أهل حمص ، فإنهم قاموا إليه فقالوا : بيوتنا قبورنا ومساجدنا ، وأنت أعلم بما ترى. وجعل شرحبيل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها ، لا يأتي على قوم إلا قبلوا ما أتاهم به ، فبعث إليه النجاشي بن الحارث (١) ، وكان صديقا له :
شرحبيل ما للدين فارقت أمرنا / ولكن لبغض المالكي جرير
وشحناء دبت بين سعد وبينه / فأصبحت كالحادي بغير بعير
وما أنت ، إذ كانت بجيلة عاتبت / قريشا فيالله بعد نصير
أتفصل أمرا غبت عنه بشبهة / وقد حار فيها عقل كل بصير
بقول رجال لم يكونوا أئمة / ولا للتي لقوكها بحضور
وما قول قوم غائبين تقاذفوا / من الغيب ما دلاهم بغرور
وتترك أن الناس أعطوا عهودهم / عليا على أنس به وسرور
إذا قيل هاتوا واحدا تقتدونه / نظيرا له لم يفصحوا بنظير
لعلك أن تشقى الغداة بحربه / شرحبيل ما ما جئته بصغير
نصر : عمر بن سعد ، عن نمير بن وعلة ، عن عامر الشعبي ، أن شرحبيل ابن السمط بن جبلة الكندي دخل على معاوية فقال : أنت عامل أمير المؤمنين وابن عمه ، ونحن المؤمنون ، فإن كنت رجلا تجاهد عليا وقتلة عثمان حتى ندرك بثأرنا أو تفنى أرواحنا استعملناك علينا ، وإلا عزلناك واستعملنا غيرك ممن نريد ، ثم جاهدنا معه حتى ندرك بدم عثمان أو نهلك. فقال جرير : يا شرحبيل ، مهلا فإن الله قد حقن الدماء ، ولم الشعث ، وجمع أمر الأمة ، ودنا من هذه الأمة سكون ، فإياك أن تفسد بين الناس ، وأمسك عن هذا القول قبل أن يظهر منك قول لا تستطيع رده. قال : لا والله لا أسره أبدا. ثم قام فتكلم ، فقال الناس : صدق صدق ، القول ما قال ، والرأي ما رأى. فأيس جرير عند ذلك عن معاوية وعن عوام أهل الشام.
نصر ، عن محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني قال : كان معاوية أتى جريرا في منزله فقال : يا جرير ، إني قد رأيت رأيا. قال : هاته. قال : اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام ومصر جباية ، فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده بيعة في عنقي ، وأسلم له هذا الأمر ، وأكتب إليه بالخلافة. فقال جرير : اكتب بما أردت ، وأكتب معك. فكتب معاوية بذلك إلى علي فكتب علي إلى جرير :
« أما بعد فإنما أراد معاوية ألا يكون لي في عنقه بيعة ، وأن يختار من أمره ما أحب ، وأراد أن يريثك حتى يذوق أهل الشام ، وإن المغيرة بن شعبة قد كان أشار على أن أستعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة ، فأبيت ذلك عليه ، ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا. فإن بايعك الرجل ، وإلا فأقبل ».
وفشا كتاب معاوية في العرب فبعث إليه الوليد بن عقبة :
معاوي إن الشام شامك فاعتصم / بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا
وحام عليها بالقنابل والقنا / ولا تك محشوش الذراعين وانيا
وإن عليا ناظر ما تجيبه / فأهد له حربا تشيب النواصيا
وإلا فسلم إن في السلم راحة / لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا
وإن كتابا يا ابن حرب كتبته / على طمع ، يزجى إليك الدواهيا
سألت عليا فيه ما لن تناله / ولو نلته لم يبق إلا لياليا
وسوف ترى منه الذي ليس بعده / بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا
أمثل علي تعتريه بخدعة / وقد كان ما جربت من قبل كافيا
ولو نشبت أظفاره فيك مرة / حذاك ، ابن هند ، منه ما كنت حاذيا
قال : وكتب إليه أيضا :
معاوي إن الملك قد جب غاربه / وأنت بما في كفك اليوم صاحبه
أتاك كتاب من علي بخطة / هي الفصل فاختر سلمه أو تحاربه
ولا ترج عند الواترين مودة / ولا تأمن اليوم الذي أنت راهبه
فحاربه إن حاربت حرب ابن حرة / وإلا فسلم لا تدب عقاربه
فإن عليا غير ساحب ذيله / على خدعة ما سوغ الماء شاربه
ولا قابل ما لا يريد وهذه / يقوم بها يوما عليك نوادبه
ولا تدعن الملك والأمر مقبل / وتطلب ما أعيت عليك مذاهبه
فإن كنت تنوي أن تجيب كتابه / فقبح ممليه وقبح كاتبه
فألق إلى الحي اليمانين كلمة / تنال بها الأمر الذي أنت طالبه
تقول : أمير المؤمنين أصابه
عدو ومالاهم عليه أقاربه / أفانين منهم قاتل ومحضض
بلا ترة كانت وآخر سالبه / وكنت أميرا قبل بالشام فيكم
فحسبي وإياكم من الحق واجبه /فجيئوا ، ومن أرسى ثبيرا مكانه
ندافع بحرا لا تردد غواربه / فأقلل وأكثر مالها اليوم صاحب
سواك فصرح لست ممن تواربه
قال : فخرج جرير يتجسس الأخبار ، فإذا هو بغلام يتغنى على قعود له وهو يقول :
حكيم وعمار الشجا ومحمد / وأشترو المكشوح جروا الدواهيا (2)
وقد كان فيها للزبير عجاجة / وصاحبه الأدنى أشاب النواصيا
فأما علي فاستغاث ببيته / فلا آمر فيها ولم يك ناهيا
وقل في جميع الناس ما شئت بعده / وإن قلت أخطا الناس لم تك خاطيا
وإن قلت عم القوم فيه بفتنة / فحسبك من ذاك الذي كان كافيا
فقولا لأصحاب النبي محمد / وخصا الرجال الأقربين المواليا
أيقتل عثمان بن عفان وسطكم / على غير شيء ليس إلا تماديا
فلا نوم حتى نستبيح حريمكم / ونخضب من أهل الشنان العواليا
قال جرير : يا ابن أخي ، من أنت؟ قال : أنا غلام من قريش وأصلى من ثقيف ، أنا ابن المغيرة بن الأخنس [ بن شريق ] ، قتل أبي مع عثمان يوم الدار. فعجب جرير من قوله وكتب بشعره إلى علي، فقال علي : والله ما أخطأ الغلام شيئا.
وفي حديث صالح بن صدقة قال : أبطأ جرير عند معاوية حتى اتهمه الناس وقال علي : وقت لرسولي وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا! وأبطأ على علي حتى أيس منه.
وفي حديث محمد وصالح بن صدقة قالا : وكتب علي إلى جرير بعد ذلك :
« أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل ، وخذه بالأمر الجزم ، ثم خيره بين حرب مجلية ، أو سلم محظية. فإن اختار الحرب فانبذ له ، وإن اختار السلم فخذ بيعته ».
فلما انته الكتاب إلى جرير أتى معاوية فأقرأه الكتاب ، فقال : [ له ] يا معاوية ، إنه لا يطبع علي قلب إلا بذنب ، ولا يشرح [ صدر ] إلا بتوبة ، ولا أظن قلبك إلا مطبوعا. أراك قد وقفت بين الحق والباطل كأنك تنتظر شيئا في يدي غيرك ». فقال معاوية : « ألقاك بالفيصل أول مجلس إن شاء الله ».
فلما بايع معاوية أهل الشام وذاقهم قال : « يا جرير الحق بصاحبك ». وكتب إليه بالحرب ( لم يذكر لنا نصر نص رسالة معاوية ، وهي كما جاءت في كامل المبرد ١٨٤ : « بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب. أما بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت برئ من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين ، ولكن أغريت بعثمان المهاجرين ، وخذلت عنه الأنصار ، فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف. وقد أبي أهل الشام إلا قتالك حت تدفع إليهم قتلة عثمان ، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين. ولعمري ما حجتك على كحجتك على طلحة والزبير ، لأنهما بايعاك ولم أبايعك. وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة ، لأن أهل البصرة أطاعوك ولم يطعك أهل الشام. وأما شرفك في الإسلام وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعك من قريش فلست أدفعه ». وقد روى هذه الرسالة صاحب الإمامة والسياسة ( ١ : ٨٧ ) وزاد بعد قوله : « كانت شورى بين المسلمين » هذا الكلام : « وقد كان أهل الحجاز أعلى الناس وفي أيديهم الحق ، فلما تركوه صار الحق في أيدى أهل الشام ». وهذه العبارة الأخيرة توضح لنا السر في ارتياب ابن أبي الحديد في آخر الصفحة ٢٥٢ من الجزء الأول ، في تمام الرواية التي رواها المبرد. وقال في أول ٢٥٣ : « وما وجدنا هذا الكلام في كتابه ». وما هو ذا الكلام بتمامه بين يدي القارئ.) ، وكتب في أسفل كتابه بقول كعب بن جعيل :
أرى الشام تكره ملك العراق / وأهل العراق لها كارهونا
وكل لصاحبه مبغض / يرى كل ما كان من ذاك دينا
إذا ما رمونا رميناهم /ودناهم مثل ما يقرضونا (3)
وقالوا علي إمام لنا / فقلنا رضينا ابن هند رضينا
وقلنا نري أن تدينوا لنا / فقالوا لنا لا نري
أن ندينا ومن دون ذلك خرط القتاد / وضرب وطعن يقر العيونا
وكل يسر بما عنده / يرى غث ما في يديه سمينا
وما في علي لمستعتب / مقال سوى ضمه المحدثينا
وإيثاره اليوم أهل الذنوب / ورفع القصاص عن القاتلينا
إذا سيل عنه حدا شبهة / وعمى الجواب على السائلينا
فليس براض ولا ساخط / ولا في النهاة ولا الآمرينا
ولا هو ساء ولا سره / ولا بد من بعض ذا أن يكونا
قال : فكتب إليه :
« من علي إلى معاوية بن صخر. أما بعد فقد أتاني كتاب امرئ ليس له نظر يهديه ، ولا قائد يرشده ، دعاه الهوى فأجابه ، وقاده فاتبعه. زعمت أنه أفسد عليك بيعة خطيئتي في عثمان. ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا ، وأصدرت كما أصدروا. وما كان الله ليجمعهم
على ضلالة ، ولا ليضربهم بالعمى ، وما أمرت فيلزمني خطيئة الآمر ، ولا قتلت فيجب على القصاص. وأما قولك أن أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة. فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون والأنصار ، وإلا أتيتك به من قريش الحجاز. وأما قولك : ادفع إلينا قتلة عثمان ، فما أنت وعثمان؟ إنما أنت رجل من بني أمية ، وبنو عثمان أولى بذلك منك. فإن زعمت أنك أقوى على دم أبيهم منهم فادخل في طاعتي ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على المحجة. وأما تمييزك بين الشام والبصرة وبين طلحة والزبير فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا واحد ؛ لأنها بيعة عامة لا يثني فيها النظر ، ولا يستأنف فيها الخيار. وأما ولوعك بي في أمر عثمان فما قلت ذلك عن حق العيان ، ولا يقين الخبر. وأما فضلى في الإسلام وقرابتي من النبي صلى الله عليه وسلم وشرفي في قريش فلعمري لو استطعت دفع ذلك لدفعته ».
وأمر النجاشي فاجابه في الشعر فقال :
دعن يا معاوى ما لن يكونا / فقد حقق الله ما تحذرونا
أتاكم علي بأهل الحجاز / وأهل العراق فما تصنعونا
علي كل جرداء خيفانة / وأشعث نهد يسر العيونا
عليها فوارس مخشية / كأسد العرين حمين العرينا
يرون الطعان خلال العجاج / وضرب الفوارس في النقع دينا
هم هزموا الجمع جمع الزبير / وطلحة والمعشر الناكثينا
وقالوا يمينا علي حلفة / لنهدي إلى الشام حربا زبونا
تشيب النواصي قبل المشيب / وتلقى الحوامل منها الجنينا
فإن تكرهوا الملك ملك العراق / فقد رضي القوم ما تكرهونا
فقل للمضلل من وائل / ومن جعل الغث يوما سمينا
جعلتم عليا وأشياعه / نظير ابن هند ألا تستحونا
إلى أول الناس بعد الرسول / وصنو الرسول من العالمينا
وصهر الرسول ومن مثله / إذا كان يوم يشيب القرونا
نصر : صالح بن صدقة بإسناده قال : لما رجع جرير إلي على كثر قول الناس في التهمة لجرير في أمر معاوية ، فاجتمع جرير والأشتر عند علي فقال الأشتر : أما والله يا أمير المؤمنين لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيرا لك من هذا الذي أرخى من خناقه ، وأقام [ عنده ] ، حتى لم يدع بابا يرجو روحه إلا فتحه ، أو يخاف غمه إلا سده. فقال جرير : « والله لو أتيتهم لقتلوك ـ وخوفه بعمرو ، وذي الكلاع ، وحوشب ذي ظليم ـ وقد زعموا أنك من قتلة عثمان ».
فقال الأشتر : « لو أتيته والله يا جرير لم يعيني جوابها ، ولم يثقل على محملها ، ولحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر ». قال : فائتهم إذا. قال : الآن وقد أفسدتهم ووقع بينهم الشر؟
نصر : عمر بن سعد ، عن نمير بن وعلة ، عن عامر الشعبي قال : اجتمع جرير والأشتر عند علي فقال الأشتر : أليس قد نهيتك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريرا ، وأخبرتك بعداوته وغشه؟ وأقبل الأشتر يشتمه ويقول : يا أخا بجيلة ، إن عثمان اشتري منك دينك بهمدان. والله ما أنت بأهل أن تمشي فوق الأرض حيا.
إنما أتيتهم لتتخذ عندهم يدا بمسيرك إليهم ، ثم رجعت إلينا من عندهم تهددنا بهم. وأنت والله منهم ، ولا أري سعيك إلا لهم ، ولئن أطاعني فيك أمير المؤمنين ليحبسنك وأشباهك في محبس لا تخرجون منه ، ، حتى تستبين هذه الأمور ويهلك الله الظالمين.
قال جرير : وددت والله أنك كنت مكاني بعثت ، إذا والله لم ترجع. قال : فلما سمع جرير ذلك لحق بقرقيسيا ، ولحق به أناس من قسر من قومه ، ولم يشهد صفين من قسر غير تسعة عشر ، ولكن أحمس (4) شهدها منهم سبعمائة رجل ، وخرج عليٌّ إلى دار جرير فشعث منها وحرق مجلسه ، وخرج أبو زرعة بن عمر بن جرير فقال : أصلحك الله ، إن فيها أرضا لغير جرير. فخرج علي منها إلي دار ثوير بن عامر فحرقها وهدم منها ، وكان ثوير رجلا شريفا ، وكان قد لحق بجرير.
وقال الأشتر فيما كان من تخويف جرير إياه بعمرو ، وحوشب ذي ظليم ، وذي الكلاع :
لعمرك يا جرير لقول عمرو / وصاحبه معاوية الشامي
وذي كلع وحوشب ذي ظليم / أخف على من زف النعام
ذا اجتمعوا علي فخل عنهم / وعن باز مخالبه دوام
فلست بخائف ما خوفوني / وكيف أخاف أحلام النيام
وهمهم الذين حاموا عليه / من الدنيا وهمي ما أمامي
فإن أسلم أعمهم بحرب / يشيب لهولها رأس الغلام
وإن أهلك فقد قدمت أمرا / أفوز بفلجه يوم الخصام
وقد زأروا إلى وأوعدوني / ومن ذا مات من خوف الكلام
وقال السكوني :
تطاول ليلى يا لحب السكاسك / لقول أتانا عن جرير ومالك (5)
أجر عليه ذيل عمرو عداوة / وما هكذا فعل الرجال الحأوانك (6)
فأعظم بها حري عليك مصيبة / وهل يهلك الأقوام غير التماحك
فإن تبقيا تبق العراق بغبطة / وفي الناس مأوى للرجال الصعالك
وإلا فليت الأرض يوما بأهلها / تميل إذا ما أصبحا في الهوالك
فإن جريرا ناصح لإمامه / حريص على غسل الوجوه الحوالك
ولكن أمر الله في الناس بالغ / يحل منايا بالنفوس الشوارك
المصادر :
1- الشعراء ٦٨ والخزانة ( ٤ : ٣٦٨ ).
2- مروج الذهب ( ١ : ٤٤٠ ) والإصابة ١٩٩١. /مروج الذهب ( ١ : ٤٤٠ ـ ٤٤٢ ). / المعارف ٨٤. / الإصابة ٧٣٠٧.
3- انظر التنبيه رقم ٢ ص ٤. وفي الأصل : « يعرضونا » صوابه في ح والكامل.
4- بنو أحمس ، هم من بطون بجيلة بن أنمار بن نزار. وكانت بجيلة في اليمن. انظر المعارف ٢٩ ، ٤٦.
5- السكاسك : حي من اليمن ، أبوهم سكسك بن أشرس بن ثور بن كندي. انظر اللسان ( ١٢ : ٣٢٧ ) والاشتقاق ٢٢١.
6- الحوانك : جمع حانك على غير قياس ، فهو من إخوان الفوارس. واشتقاق الحانك من قولهم : « حنكت الشيء فهمته ». انظر اللسان ( ١٢ : ٢٩٩ س ١٩ ـ ٢٠ ).

user comment
 

آخر المقالات

  نجاح الانقلاب وتقويض الشرعية
  موقع الامام علي عليه السلام وموقع معاوية
  رسالة الی ابي وامي
  أهل الذمة في عصر الأمويين
  خالد بن الوليد و الطوق في الجيد
  تكوّن الإسماعيليـّة
  مشکلة الزهراء عليها السلام مع الخليفة
  فدک
  الموقف السياسِي قبل بيعة الامام الحسن علیه السلام
  من علي إلى معاوية بن صخر